محمد رأفت سعيد

130

تاريخ نزول القرآن الكريم

ثم انصرفت ، وقال أبو بكر يا رسول الله : أما تراها رأتك ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما رأتني لقد أخذ الله بصرها عنى » . وتشم في كلام امرأة أبى لهب رائحة الاستعلاء القائم على الحسد فعند ما تطرح الشوك على الطريق أمام رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم - حسدا وحقدا - فهذا عمل عادى ، لا تلام عليه ، بل لا تريد أن تسمى به أي أحزنها أن تسمى « حمالة الحطب » وناقضت شهادة أهل مكة جميعا في رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عندما هجت وقالت : « مذمما » وهو محمد صاحب الخلق العظيم عند من آمن به ، وعند من لم يؤمن به ، ولكنه رفض وكره ما جاء به دون تفكير . قاتل الله الحسد فكم أعمى قلوب البشر فحرمهم مما فيه خيرهم . لقد تناولنا في الجزء السابق ذكر سورة المسد ونتابع القول فيها وفيما ذكر من أسباب نزولها ، ونبدأ بذكر ما ورد في سبب نزولها مما يتعلق بآية كريمة من سورة الشعراء وهي قوله تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) [ الشعراء ] وسورة الشعراء مكية في قول الجمهور ، وقال مقاتل : منها مدنى ، الآية التي يذكر فيها الشعراء وقوله : أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 197 ) ، وقال ابن عباس وقتادة : مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة من قوله تعالى : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) إلى آخرها « 1 » . والذي يرجح نزول الآية الكريمة : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) قبل سورة المسد مجموعة من الروايات الصحيحة منها : الحديث الأول : قال الإمام أحمد رضي اللّه عنه : حدثنا عبد الله بن نمير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : لما أنزل الله عز وجل وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى « يا صباحاه » فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « يا بني عبد المطلب ، يا بنى فهر ، يا بنى لؤي ، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتمونى ؟ » قالوا : نعم . قال : « فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد » ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا ؟ وأنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ، ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الأعمش به . الحديث الثاني : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : لما نزلت : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) قام رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « يا فاطمة ابنة محمد ، يا صفية ابنة عبد المطلب ، يا بنى عبد المطلب لا أملك لكم من

--> ( 1 ) القرطبي 13 / 87 ، 143 ، وابن كثير 3 / 349 .